اسماعيل بن محمد القونوي

119

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

مجرد خداع وأيضا ليست المخادعة أمرا مطلوبا لذاته فلا يكون الجواب شافيا بل يحتاج إلى سؤال آخر كما ذكره وتعبيره بيجوز ناطق بها انتهى ولا يخفي عليك إن المتعارف في كون الجملة بيانا لجملة أخرى بيان ما هو المراد من معناها لخفائها وتوضيحه كقوله تعولى : فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ [ طه : 120 ] الآية وكونها بيانا لها لخفاء الغرض منها مع وضوح معناها غير مشهور لو سلم جوازه وهنا الخفاء في الغرض كما ذكره لا في المعنى فجعله استئنافا أولى من جعله بيانا وأما عدم كون المخادعة أمرا مطلوبا لذاته فلا يضر في الجواب وكونه شافيا إذ الغرض أولا من قولهم المذكور المخادعة وما ذكره الزمخشري والمص من أن غرضهم في ذلك أن يدفعوا عن أنفسهم الخ غرض لذلك الغرض والعادة جرت بذكر الاعراض الأول وإن لم تكن مطلوبة لذاتها بل تكون وسائل ومن هذا القبيل قوله تعالى : وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ « 1 » بِالسُّوءِ [ يوسف : 53 ] على أنه يرد على كونه بيانا له ما يرد على كونه استئنافا بأن البيان لا يكون كافيا شافيا ولذا يحتاج إلى سؤال فما هو جوابكم فهو جوابنا قيل وقد جوز في البحر كون هذه الجملة بدلا من صلة من بدل اشتمال فلا محل لها أيضا أو حالا من الضمير المستكن في يقول أي مخادعين وأجاز أبو البقاء أن يكون حالا من الضمير المستتر في مؤمنين والعامل فيها اسم الفاعل انتهى وفي كل تعسف أما البدل فلما مر من أن البدل مقصود بالنسبة إليه دون متبوعه وهذا أكثري وإن لم يكن كليا لكنه كاف في التوهين حين وجد وجه صحيح يدل على قصد النسبة إليهما وأما كونه حالا من فاعل يقول فلأن خداعهم ليس بمقارن للقول إذ المراد به ما هو الغرض منه والحال المقدرة خلاف الظاهر وأما كونه حالا من فاعل مؤمنين فلإيهامه نفي الخداع بل مع إثبات الإيمان لما نقل عن الشيخ عبد القاهر من أن النفي في الكلام المقيد متوجه إلى القيد مثلا إذا قيل لم يأتك القوم أجمعون كان نفيا للإجماع وهذا مما لا سبيل إلى الشك فيه واحتمال توجه النفي إلى المقيد « 2 » دون القيد أو إلى كلاهما في بعض المواضع بقرينة قوية لا يفيد هنا لإمكان وجه جزيل هنا كما ذكره الشيخان فترك الاحتمال الراجح في النفي واختيار المرجوح مع أنه لا داعي له مما لا وجه له وقد اعترف أبو البقاء لزوم نفي خداعهم على تقدير كون جملة يخادعون صفة المؤمنين والصفة والحال متحدان في المآل ولعل الشيخين لم يتعرضا لهذه الاحتمالات لما ذكرناه من الإشكالات . قوله : ( بذكر ما هو الغرض منه ) متعلق بهما وجعله بيانا للاستئناف فقط ضعيف .

--> ( 1 ) فإن الظاهر كون النفس أمارة بالسوء ليس مطلوبا لذاته بل المقصود كونها مائلة إلى الشهوات كما أشار إليه المصنف هناك وله نظائر كثيرة وبالجملة الاكتفاء بالأمر الإجمال المشتمل على الفوائد والمقاصد في الجواب من عادة البلغاء وديدن العلماء . ( 2 ) والقول بأنه قيد للنفي دون المنفي كما قرر النحرير التفتازاني في قوله صاحب التلخيص ولم أبالغ في اختصاره تقريبا لا يفيد إذ أبو البقاء صرح بأنه حال عن فاعل مؤمنين فيكون قيدا للمنفي لا محالة .